أحمد بن محمد القسطلاني

253

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( وقال مجاهد ) فيما وصله الفريابي أيضًا ( مهطعين ) أي ( مديمي النظر ) لا يطرفون هيبة وخوفًا وسقط وقال لأبي ذر ، ولأبوي ذر والوت : مدمني النظر . ( ويقال : مسرعين ) أي إلى الداعي كما قال تعالى : { مهطعين إلى الداع } [ القمر : 8 ] وهذا تفسير أبي عبيدة في المجاز ( { لا يرتد إليهم طرفهم } ) بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم ( { وأفئدتهم هواء } يعني جوفًا ) بضم الجيم وسكون الواو خاوية خالية ( لا عقول لهم ) لفرط الحيرة والدهشة وهو تشبيه محض لأنها ليست بهواء حقيقة ، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة ( { وأنذر الناس } ) يا محمد ( { يوم يأتيهم العذاب } ) يعني يوم القيامة أو يوم الموت فإنه أول يوم عذابهم وهو مفعول ثانٍ لأنذر ولا يجوز أن يكون ظرفًا لأن القيامة ليست بموطن الإنذار ( { فيقول الذين ظلموا } ) بالشر والتكذيب ( { ربنا أخّرنا إلى أجل قريب } ) أخّر العذاب وردّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه ( { نجب دعوتك ونتبع الرسل } ) جواب للأمر ونظيره قوله تعالى : { لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق } [ المنافقون : 10 ] ( { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } ) على إرادة القول وفيه وجهان أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًّا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمهلوا بعيدًا وقوله { ما لكم } جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله أقسمتم ، ولو حكي لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال ، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء وقيل لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث لقوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } [ النحل : 38 ] قاله الزمخشري . ( { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } ) بالكفر والمعاصي كعاد وثمود ( { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } ) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم ( { وضربنا لكم الأمثال } ) من أحوالهم أي بيّنّا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة ( { وقد مكروا مكرهم } ) أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل ( { وعند الله مكرهم } ) ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو عنده ما يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه ( { وإن كان مكرهم } ) في العظم والشدة ( { لتزول منه الجبال } ) مسوّى لإزالة الجبال معدًّا لذلك وقيل إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [ البقرة : 143 ] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتًا وتمكّنًا ، وتنصره قراءة ابن مسعود : وما كان مكرهم وقرئ لتزول بلام الابتداء على معنى وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع عن أماكنها ( { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ) [ إبراهيم : 47 ] يعني قوله إنّا لننصر رسلنا كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني على الأول إيذانًا بأنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله : { إن الله لا يخلف الميعاد } [ آل عمران : 9 ] وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف يخلف رسله ( { إن الله عزيز } ) غالب لا يماكر قادر لا يدافع ( { ذو انتقام } ) لأوليائه من أعدائه كما مرّ ولفظ رواية أبي ذر { ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } إلى قوله : { إن الله عزيز ذو انتقام } وعنده بعد قوله : { وأنذر الناس } الآية . 2440 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ ، لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا » . وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ . [ الحديث 2440 - طرفه في : 6535 ] . وبه قال : ( حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ) هو ابن راهويه قال : ( أخبرنا معاذ بن هشام ) البصري قال : ( حدّثني ) بالإفراد ( أبي ) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ( عن قتادة ) بن دعامة بن قتادة الدوسي البصري الأكمه أحد الأعلام ( عن أبي المتوكل ) علي بن دؤاد بدال مضمومة بعدها واو بهمزة ( الناجي ) بالنون